ابن عجيبة

150

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي : السحاب أو جانب السماء ، ماءً فَأَخْرَجْنا ، فيه الالتفات من الغيبة إلى التكلم ، بِهِ أي : بذلك الماء ، نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ أي : نبات كل صنف من النبات على اختلاف أنواعه ، فالماء واحد والزهر ألوان ، فَأَخْرَجْنا مِنْهُ أي : من النبات ، شيئا خَضِراً وهو ما يتولد من أصل النبات من الفراخ ، نُخْرِجُ مِنْهُ أي : من الخضر ، حَبًّا مُتَراكِباً وهو السنبل ؛ لأن حبه بعضه فوق بعض ، وكذلك الرمان والذرة وشبهها ، وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ أي : ويخرج من طلع النخل عناقيد متدانية قريبة من المتناول ، أو ملتفة ، قريب بعضها من بعض ، وإنما اقتصر على المتدانى دون العالي ؛ لزيادة النعمة والتمكن من النظر فيه ، دون ضده . وَ أخرجنا أيضا بذلك الماء ، جَنَّاتٍ أي : بساتين ، مِنْ أَعْنابٍ مختلفة الألوان والأصناف وَ أخرجنا به الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ على اختلاف أصنافها ، مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ أي : من النبات والثمار ما يشبه بعضه بعضا ، في اللون والطعم والصورة ، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضا ، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد ، ولذلك أمر بالنظر والاعتبار فقال : انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ أي : انظروا إلى ثمرة كل واحد من ذلك إِذا أَثْمَرَ ، وَ انظروا إلى يَنْعِهِ ؛ إذا ينع ، أي : طاب ونضج ، والمعنى : انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفا لا منفعة فيه ، ثم ينتقل من طور إلى طور ، حتى يينع ويطيب . إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ دالة على وجود الحكيم ووحدانيته ، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة ، ونقلها من حال إلى حال ، لا يكون إلا بإحداث قادر ، يعلم تفاصيلها ، ويرجّح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ، ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه ، أو ضد يعانده ، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك فقال : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ . . . إلخ . قاله البيضاوي . الإشارة : من كحّل عينه بإثمد التوحيد ، غرق الكائنات كلها في بحر التوحيد والتفريد ، فكل ما يبرز لنا من المظاهر والمطالع ، ففيه نور من جمال الحضرة ساطع ، ولذلك قال ابن الفارض رضى اللّه عنه : عيني لغير جمالكم لا تنظر * وسواكم في خاطري لا يخطر وقال الششتري رضى اللّه عنه : انظر جمالى شاهدا * في كلّ إنسان كالماء يجرى نافذا * في أس الأغصان يسقى بماء واحد * والزّهر ألوان